جلال الدين السيوطي
101
همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو
وجعل منه بعضهم يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [ البقرة : 228 ] ، ولا يجوز ذلك في غيرهما من ألفاظ التأكيد . ( و ) منه ( للشمول ) ورفع توهم إطلاق البعض على الكل ( في المثنى كلا وكلتا ، وفي غيره ) أي : الجمع وما في معناه ( كل وجميع وعامة مضافة ) كلها ( إلى الضمير ) المطابق للمؤكد ( وأجمع وأكتع وأبصع وأبتع ) . ( ومن ثم ) أي : من هنا وهو كون هذه الألفاظ دالة على الشمول ، أي : من أجل ذلك ( لم يؤكد بالأولين ) أي : كلا وكلتا ( ما لا يصلح موضعه واحد ) فلا يقال : اختصم الرجلان كلاهما ولا رأيت أحد الرجلين كليهما ولا المال بين الرجلين كليهما ؛ لعدم الفائدة ؛ إذ لا يحتمل في ذلك أن يراد بالرجلين أحدهما حتى يحتاج إلى التأكيد لدفعه ، ولأنه لم يسمع من العرب قط ، ويدل له أنهم لا يؤكدون فعل التعجب بالمصدر ؛ لأن التأكيد لرفع توهم المجاز في الفعل ، وإثباته حاصل لكونه حقيقة ؛ إذ لا يتعجب من وصف شيء إلا وذلك الوصف ثابت له ، فكما رفضوا تأكيده بالمصدر رفضوا تأكيد ما ذكر لما كان المجاز لا يدخله ( خلافا للجمهور ) في تجويزهم ذلك ، قالوا : لأن العرب قد تؤكد حيث لا يراد رفع الاحتمال كما أتوا بأجمع وأكتع بعد كل ، ولا احتمال يرفع بهما لرفعه بكل ، والجواب كما قال أبو حيان : أن المعنى إذا كان يفيده اللفظ حقيقة فلا حاجة للفظ آخر يؤكده إلا إذا قوي برواية عن العرب ، وقد ذكرنا أن ذلك لم يسمع . ( و ) من ثم أيضا ( لا ) يؤكد ( بالبواقي ) أي : كل وما بعده ( غير ذي أجزاء ولو حكما ) إذ ما لا يتجزأ لا يتوهم فيه عدم الشمول حتى يرفع بالتوكيد بها ، فلا يقال : جاء زيد كله ، ويقال : قبضت المال كله وبعت العبد كله ورأيت زيدا كله ؛ لإمكان رؤية وبيع بعض زيد والعبد . ( وأنكر المبرد عامة ) وقال : إنما هي بمعنى أكثر ، ولم يذكر أكثر النحاة ( جميعا ) ، قال ابن مالك : سهوا أو جهلا ، وقال : قد نبه سيبويه على أنها بمنزلة ( كل ) معنى واستعمالا ، ولم يذكر له شاهدا وقد وجدت له شاهدا ، وهو قول امرأة من العرب ترقص ابنها : « 1551 » - فداك حيّ خولان * جميعهم وهمدان
--> ( 1551 ) - البيتان من الهزج ، وهما لامرأة من العرب ترقص ابنها في شرح التصريح 2 / 123 ، والمقاصد النحوية 4 / 91 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 3 / 330 ، انظر المعجم المفصل 2 / 955 .